| الثلاثاء 08 . 03 . 2011
محال الاقتراب
دينا سليم
تسترق الى
مسامعها نغمات عذبة، لأول مرة تسمعها، تشدو بسحر وصوت شجيّ، من مكان ما
تنبعث موسيقى هادئة، تتجوّل معها حتى أعماقها.
أرادت الاستمرار بإغفاءة اللاوعي التي تداهمها بين الحين والحين، لكن
يقظة الواقع كانت قد استحوذت عليها، تملكتها، شدّت أفكارها نحو حقيقة
راسخة!
مالت برأسها حيث منضدتها تسأل ساعتها عن الوقت، فإذا بها الثانية بعد
منتصف الليل، الدجى يملأ المكان رهبة، تطلّ من نافذتها، الفجر يتأخر،
يستيقظ على مهل، الليل يرقد بسلام يأبى نفض إغفاءته الأخيرة، يفرك
جفنيه بظلاله السكرى، لم يستيقظ بعد من خمر الندماء، أبواب السماء
مغلفة بالسواد، يتأخر الصباح!
تخرج الى الشرفة لكي تستطلع مصدر الأنغام المنبعثة من الحديقة، لا تزال
مصابيح الحديقة مضاءة، تعكس نورها على أزرار الورد الأبيض فيحمر خجلا،
الأزهار تخفي ابتسامتها الرقيقة داخل الأوراق الخضراء التي أحاطتها،
يقظة راعشة ، تتبادل الحديث مع جاراتها فتتوحد لغات الهمس واللمس،
نغمات خفيفة تصلها مفعمة بالدفء والحنان، لا يوجد أجمل من لغة الورد
عندما يتحدث بلغة العاشقين!
تخلّف الصبح عن موعده، تأخر انبعاث النور، نشجت الحديقة باهتزازات
صامتة، هبت ريح هادئة، همهم الندى فماجت النباتات ثم تهاوت، تهادت
سبيلا ضيقا، خطت بين الأغصان الشائكة، التصقت بها النباتات المتسلقة
التي زحفت بجنوح فضاق السبيل، حيث أرادت أن تذهب، الى بقعة ما تتوسط
الحديقة، نصبت هناك أرجوحة هزازة، تستريح فيها فيغويها أريج منبعث من
بعض الأشجار غير المثمرة، تتأرجح فيها سعيدة مثل طفلة بريئة.
لكنها انتفضت فجأة، وجدت المكان موحشا ومحاطا بالرّيبة، لا تشعر
بطمأنينة، سيماء وجهها يتغير ويتبدل، كم أرادت أن تبقى حتى ينبلج الصبح
وتسمع هديل اليمام مناجيا:
- (اشكروا ربكم).
مكررا نشيده الصباحي مذكرا بعظمة الخالق، لكن اليمام لا يعرف سهر
الليالي.
تفقدت نسغ الزهور وبراعم الأشجار، قالت:
- زهور أخرى ستولد قريبا!
بدأت تناغيها، تتقن المناغاة، سعيدة فالتحم صوتها مع حفيف الأشجار من
حولها، تداخلت الأصوات الرقيقة فتحولت الى نشيد جماعي، يغوي هسيس حشرات
الليل التي شاركتهم الغناء أيضا.
صوت شاذ يعلو، أحدهم يعزف على قيثارة مقطوعة الأوتار، التبس عليها
الأمر وأرادت أن تكتشف مصدر هذا العازف المريب، كلما اقتربت من الصوت
تاهت في الصخب خطواتها، تشابكت الأصوات، تعثرت بأرض جافة، أكلت مناطق
قدميها والقيتارة لا تتوقف عن الصراخ وكأنها تسخر منها، نغماتها الشاذة
السريعة تتصاعد، ضاجة، مفزعة وحزينة، تيبس حلقها.
اغتالها اللحن الحزين، لقد أستبد بها، أصوات الفرح تاهت وغادرت ملتحقة
بالليل المغادر، وبقيت تلك الأنغام الغريبة تتأبط سحاب الليل المترهل،
مخلفة وراءها صخبا حزينا وطنينا رصينا.
تقيأت من روائح فاسدة احتلت المكان، جمدت أنفاسها خوفا وقلقا، وجلت
وارتعدت للمنظر الرّهيب الذي ظهر لها فجأة، صفعت الريح شفاهها التي
أصبحت يابسة.
ستائر نافذتها تهتز، أحد ما يغتصب بيتها، أشباح الغدر تغوص بفضاء
غرفتها، غرباء في بيتها، أخيرا تمكنوا منها، ثقوب كثيرة تتناوب على
ثوبها فتكشف عن جسدها العاري، أصبحت عارية، تائهة، لم يعد بيتها، سلبه
منها الآخرون، نظرت الى الباب، لقد شمّع بالشّمع الأحمر!
وسادتها ساخنة وسريرها يتململ بعبق أحلامها، ساعتها تتوقف، وبلاط
الحجرة يتخبط بأريج قدميها، منامتها تصيح رأفة وخزيا، وعود القيتارة
يقهقه ساخرا!
- لقد مات الحب يا عزيزتي، أرحلي من هنا أسلم لكِ!
يظهر الصّباح لاهثا، ريح الخريف تزمجر وتتوعد، أين اختفى ذلك البريق
المتوهج الذي أحيا قلبها قبل لحظات، ذاك الوهج الذي يعيش داخل أعماقها
السّاخنة، أين ذهب العشق الذي كان، أين ذهبت مناغاة الحب، حبها للحياة
عظيم، لقد بت في الأمر الآن، استطاعوا أن ينتهكوا حرمة بيتها، اغتصبوا
مالها وأملاكها، غشيها الألم، عششت داخلها ثورة جدباء، أكلتها الحيرة،
وبدأ مخاض الألم ينهش فيها من جديد.
لقد أستبدل زمان الحب الى زمان كراهية، اغتصبت القبلات من فم السعادة
فتحولت الى قذائف حارقة تخرج من فوهة بركان، وصوت القيتارة النشاز
يعلن:
محال الاقتراب لقد أصبح مُلكا موقوفا، وبداية ترحال جديد...
|