رياضـــــــة

 

      الأربعاء 11 . 01 . 2012   

قصص قصيرة / سعيد بصرة

سمير سالم داود

سعيد بصرة

كان منهمكا بتصوير حشود من الطيور المهاجرة صوب الشرق، حين تعرض فجأة لضربة موجعة من الخلف ، كادت أن تقذف بالنحيل من جسده، بعد الكاميرا، عبر المفتوح من نافذة الطابق السابع في عمارة القسم الداخلي للطلبة الأجانب.
- رفيق عليك الانتظار من جديد مرة أخرى، ربما في العام القادم، يتحقق حلمك بدراسة السينما. قال المسؤول الأملس الوجه مثل الصبايا، وهو يشطب على أسمه من قائمة المقبولين، ليضع أسم شقيق زوجته، قبل أن يضيف بود مصطنع : يخليك الله لا تزعل، صدقني أدري هذا المعطوب، لا يستحق هذه الفرصة، وأنت الأكثر جدارة، ولكن أكيد وحتما، تعرف حكم وزارة الداخلية.*
كان على وشك الصراخ احتجاجا ،حين أدرك فجأة، أن الأمر برمته، بات ضربا من العبث. في تلك اللحظة رضخ أخيرا وبعد طول عناد، لما ظل يتجاهله من مر الحقيقة عن هذا الصنف من معلول الرجال.
كان يعرف، ودون أن يعترف، أن من الخطأ ترك مصيره، تحت رحمة أهل النقيض ما بين القول والفعل، منذ يوم أن أختار معايشة الموت طوعا بين الهضاب والوعر المسالك من الجبال،
لبضع لحظات ظل معتصما بالصمت، محدقا بتركيز شديد لموقع سقوط الكاميرا، محاولا ودون جدوى العثور على ما تبقى من أشلاءها.
- ماكو فايده. قال أخيرا بحزن واستسلام وهو يباشر ودون تردد، قذف كل محتويات الشقة من المطبوعات السياسية عبر المفتوح النافذة، قبل أن يقفز، مقتفيا أثرها وهو يصرخ غاضبا : أبول عليكم , وظل يكرر هذه العبارة، كما لو كان يريد أن تكون خاتمة ما يقول قبل أن يغادر الحياة.
ما مات. هبط للأرض بسلام. أكتشف بدهشة وفرح، قدرته على التحليق في الفضاء، ليكون مثل بطل طفولته سوبرمان، وكما كان يحلم على الدوام.
في تلك اللحظة غادره الحزن للابد، وبات كل المخزون في الذاكرة من المرارات والخيبات يتلاشى رويدا...رويدا، ليعود من جديد، طفلا صغيرا مشغوفا بمشاهدة الأفلام السينمائية، كما كان ذات يوم في الميناء من المدينة.
حين رفع بصره أخيرا عن مشهد المبعثر من المطبوعات، شاهد سكان العمارة يتطلعون برعب ودهشة إلى حيث كان يقف في البقعة من الأرض. دون أن يفكر طويلا فتح سحاب بنطلونه وراح يبول منتشيا فوق مقبرة المطبوعات، وهو يصرخ وبكل يملك من القوة: لا تواليت بعد اليوم. كلما دعت الحاجة سوف أقفز من الشباك لكي أبول في هذه المقبرة. كان ذلك أخر ما قال، قبل أن يختفي والى الأبد عن الأنظار.
البعض ظل يبحث دون جدوى عن بقايا جثته بين أشلاء المطبوعات . البعض الأخر قال أن رجال الشرطة السرية اقتادوه إلى مستشفى المجانين، فيما أفاد غيرهم أن سعيد بصرة، صار صاحب مطعم للبيتزا بعد أن هرب لمدينة مهجورة في جزيرة تعوم وسط بحرا يقبع باستسلام على حافة الأرض .
..............................
* وزارة الداخلية: كناية شائعة بغداديا عن المتسلط من الزوجة.
..............................

اضمحلال

في الركن المعتم من المقهى، شاهدتهما يجلسان في مواجهة بعضهما، جوار الدخان والضجيج والمغلق من النافذة.
كان يثرثر دون توقف، وهو يواصل التحديق بثبات مبتذل في تقاطيع جسد عاملة المقهى. كان يحرك كلتا يديه بطريقة غير مألوفة، كما لو كان لاعب سيرك محترف أو يحاول جاهدا عبر هذا السبيل شد الانتباه لما يردده من القول، فيما كانت صاحبته تتطلع بضجر وصمت للشارع عبر القاتم من زجاج النافذة وهي تواصل وبقرف تحريك خاتم خنصرها الأيسر.
منذ اللحظة الأولى، أدركت أن هذا المشهد، لا يمكن أن يتواصل على هذا النحو طويلا. كنت لا أزال أفكر عما يمكن أن يحدث في النهاية، حين تملكتني فجأة رغبة مجنونة لزجر الرجل عسى أن يتوقف عن الثرثرة. ما فكرت بقول ما يزيد عن تبيان مدى تفاهة من لا يعرفون متعة الإصغاء لصوت الصمت.
كنت على وشك أن أفعل ذلك ولكن تراجعت مسرعا، بعد أن اكتشفت سخافة ترديد هذا القول في مقهى يعج بالضجيج. كنت لا أزال مشغول الذهن في البحث عن البديل من مناسب العبارة، حين غيرت فجأة اتجاه بصرها وراحت تتطلع نحوه باحتقار وغضب مكتوم طال انتظاره.
في تلك اللحظة فقط توقف عن الكلام، كما لو أدرك أخيرا ما يجول بخاطرها، فيما كانت ودون تردد تنزع خاتمها لتلقيه في قمامة فنجان قهوته المهجور.
نهض غاضبا وكان على وشك المباشرة بالاحتجاج، حين راح وفجأة يضمحل تدريجيا إلى أن تلاشى أخيرا وهو يحاول دون جدوى، الصراخ من فرط الفزع . ظلت تراقب ما يجري بحياد ومن غير دهشة ودون مبالاة،،كما لو كانت تتمنى حدوث ذلك منذ أمد بعيد.
حين اختفى من الوجود تماما، ظلت تحدق لبعض الوقت، باتجاه فضاء الفارغ من المقعد، وهي ترتشف بنشوة الباقي من فنجان القهوة، قبل أن تغادر المقهى على عجل. عند الباب لمحت على وجهها، أجمل ما تكون الابتسامة.
..............................

يستر على عرضك

قبل الموعد المحدد للقيام بالترجمة، ما كنت أعرف سوى أن هناك شكوى من شاب سويدي ضد مهاجر هدده بالقتل تلفونيا أكثر من مرة. حين دخلت غرفة اللقاء برفقة مشرفته الاجتماعية، نهض المهاجر بارتباك، وكان على وشك أن يغادر المكان، قبل أن يعود مسرعا ويجلس في مقعده، متشاغلا في البحث عن شيء ما على الأرض. كان يبدو جوار منضدة مسؤول قسم المهاجرين في مركز الشرطة، أقصر بكثير من المعتاد، ساعة ما كان يلاحقني بحقده ، كلما التقينا مصادفة في شوارع المدينة المهجورة.
- من الصعب إنجاز المهمة. هذا الرجل برميل نفايات. كان شرطيا للأمن قبل القدوم للسويد، همست في إذن المشرفة الاجتماعية، محاولا التنصل من مهمة الترجمة.
- نعرف ذلك. ولكن القضية لا تتعلق بما كان يفعل في الماضي، وإنما بما يفعل في الحاضر. ردت وهي تتطلع نحوه بذات القدر من الاحتقار.
كنت على وشك تكرار محاولة الاعتذار، حين دخل الغرفة صاحب الشكوى وعلى ملامحه ترتسم وبوضوح علامات القلق والخوف.
جلس بتردد في مواجهة برميل النفايات، دون أن يتطلع نحوه. ظل ملتفتا صوب مسؤول الشرطة كما لو كان يريد إنقاذه من ورطة الجلوس في مواجهة من هدده بالقتل.
- سيدي كفيلك الله وعباده ما كان هدفي تهديده بالقتل. لا أريد سوى أن يتزوجها أمام الناس بضعة شهور وبعد أن تلد بمقدوره أن يطلقها، قال برميل النفايات متوسلا وهو يتطلع برجاء لمسؤول الشرطة.
حين أوضحت ما هو المطلوب تساءل الشاب وبدهشة : ولكن لماذا أتزوجها, لقد تعرفت عليها في البار بالصدفة وهي من اختارتني دون غيري لفض بكارتها، ثم مارسنا الجنس مرات معدودة ثم انتهى الأمر، حين علمت أنها حامل حاولت مساعدتها على الإجهاض، ولكنها رفضت ذلك بشدة. ترى ماذا بمقدوري أن أفعل أكثر من ذلك، ولماذا يهددني والدها بالقتل.
- يستر على عرضك، أستر على عرضي. قال برميل النفايات متوسلا وهو ينهض محاولا تقبيل رأس الشاب الذي صرخ مذعورا وهو يقفز مثل الكنغر صوب الباب، فيما راحت المشرفة الاجتماعية تصرخ بدورها وهي تلوذ بالجدار في حين وقف مسؤول الشرطة مرتبكا محاولا تدارك ما حدث، والجميع يتطلعون نحوي بذات القدر من الذهول: الشاب المرعوب الواقف عند الباب في وضع استعداد للهروب. المشرفة الاجتماعية التي تلوذ بحضن الجدار. مسؤول الشرطة وهو يتصبب عرقا، برميل النفايات المذهول من مفاجأة ما حدث. وجميعهم كانوا يتطلعون نحوي وهم يصرخون معا وبغضب : ترجم.
كنت على وشك توضيح مدى صعوبة ترجمة ( يستر على عرضك أستر على عرضي) حين أدركت فجأة مدى سخف وعبث ترجمة ما هو عصي تماما على التوضيح. بدون تردد تركت المكان على عجل، فيما كانوا يواصلون معا الصراخ وبذات القدر من الغضب : ترجم.
..............................
* طالع المزيد من نصوص مجموعة ( حالات وقصص أخرى) في العنوان التالي :
www.novel.alhakeka.org/index.html

راسلونا على العنوان التالي

fakhirwidad@gmail.com

 

 

التفاصيــل

 

يرجى إرسال مقالاتكم
على ملف وورد

 

 

إدارة الجريدة غير مسؤولة عن جميع الأخبار والمقالات والدراسات المنشورة في الموقع