| الأربعاء 18 . 01 .
2012
العرب وإشكالية
معاناتهم من التعصب للنسب من الشنفرى ...حتى الجواهري...!! كريم مرزة الاسدي المقدمة :
إشكالية التعصب للنسب لاحقت الإنسان من قديم الزمان على مستوى الأمم والشعوب والقبائل والأفراد , وكلٌّ ينادي بالإنسان , والإنسان نفسه حيران , يتعصب ويضحي بالمجان , والحقيقة أنّ المغالاة في التعصب للنسب , ورمي الآخرين بالنقص والعيب والدونية , قد ولـّد من المشاكل الكبرى , والجرائم العظمى ما لا تحصى , وإنْ بدت في بادئها من الأمورالصغرى , وقديماً أبدع طرفة بن العبد ( ت 569 م ) - توفي قبل ولادة النبي الكريم (ص) بسنة واحدة - حين قال : قد يبعثُ الأمرَ
العظيمَ صغيرُهُ .. حتى تظلَّ لهُ الدماءُ تصبّبُ كان النسب الشغل الشاغل للعرب منذ تصنيفهم الأمة إلى عرب عاربة وعرب مستعربة , قيلهم وقالهم مشتعل بين الطرفين حتى أنّ الله أنزل نبيهم من هؤلاء المستعربين لا العاربين , ومن ثمّ تولى المستعربون - كما نعتهم المجحفون- الخلافة الاسلامية طيلة العصرين الأموي والعباسي ! وأشار إلى ذلك جرير عندما هجا الأخطل التغلبي , إذ فخر الأول بإسلامه ومضريته قائلاً: إنّ الذي حرمَ المكارمَ تغلباً .. جعلَ الخلافة والنبوّة فينا لا أعلم لماذا جرير لم يقدم النبوّة على الخلافة ؟! وهي أعظم مقاماً , وأسبق زمناً , والشعر يمشي وزنا ً , فالبيت من البحر (الكامل) , المهم لم يكتفوا بهذا التفاخر والتنابز ورمي الآخرين حتى ذهبوا إلى المقابر يعددون موتاهم , فأنزل الله عليهم " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر " , وجرّهم الأمر إلى رمي بعضهم بعضاً إلى أمم أخرى , بل تطاولوا على عباقرتهم وأفذاذهم , فقذفوهم للأجانب والأباعد , وهؤلاء يستحوذون ويصرخون هل من مزيد لهذا المجد التليد ؟!! صرخ المتنبي العظيم متهكماً داعياً للصحوة والتعقل : أغاية َ الدّين أنْ تحفوا شواربكمْ يا أمّة َ ضحكتْ من جهلها الأممُ ؟! ذهبت صرخته
أدراج الرياح كما ذهبت صرخات السابقين واللاحقين , والإشكالية قائمة حت..ى
يومنا هذا المستكين ! أبا عبد
الألــــه أصخ لقولي .. وبعض القول ِيصحبهُ السّدادُ نقلت لك معظم
أبيات القصيدة , وهي صورة فنية ساخرة رائعة , ولوحة كاركتيرية ناطقة ,
بجميع صيغها البلاغية من استعارات مكنية وتصريحية , وجناس ناقص , وطباق
خالص, تعكس الواقع الذي كان سائدا في عصرهم , وتوارثناه جيلاً بعد جيل
حتى عصرنا , وأنتم تعلمون جيداً ما جرّ النسب من مآسٍ ٍ , وتهجيرٍ
قسريٍّ , وإبادةٍ جماعية , وانتهاكٍ للحرمات والمقدسات , ومن هنا تأتي
أهمية البحث , وضرورة التواصل معه , إن لمْ يشأ ْ إمام ذلك العصر أن
يقيم سوقاً لبيعهم , فقد شاء إمامٌ وإمامٌ من بعده , وصدقَ الشاعر -
دون أن يدري - إذ جعل المساكين سماد الأرض وملحها !! لو أنصف الدهرُ هجا نفسهُ .. كأنـّهُ الرومي أو دعبلُ ولم يتجرأ نقاد الأدب المعاصرون , وبكلمة أدق لم يريدوا اسناد تلمذة ابن الرومي , وتأثره شعرياً بالدعبل ونهجه الهجائي , بل مدرسته (6), ولو أنـّهما تعاصرا ربع قرن من الزمن البغدادي , نعم أنا أشكُّ في حصول اتصال مباشر بينهما لعدة أسباب منها فارق السن ( أكثر من سبعين عاماً) , ومهابة الخزاعي وذيوع صيته , ووسوسة الرومي وابتداء أمره , نعود إلى إشكالية النسب الرومية , فقد هجا شاعرنا علي بن العباس بن جرجيس الرومي - وهذا اسمه - الوزير الشهير ,والكاتب القدير أسماعيل بن بلبل الشيباني , والمكنى بأبي الصقر , متعرضاً لنسبه , ولكن بعد إقالته ,وانكسار أمره ,قائلاً عجبتُ مــــن
معشر ٍبعقوتنا .. باتوا نبيطاً وأصبحوا عربا ركز- عزيزي القارىء الكريم - على النبطي المقلوب , والعلجي الجُبلة , بما أورده دعبل من استحالة الأنباط , وطبع الخوز والأوباش ,تجد تشابهاً بين الصورتين ,أمّا استعارة الرومي لعلم الكيماء الذي اشتهر في عصره لتحويل المواد الرخيصة إلى مواد نفيسة , وخاب الأمر , فالجبلة تبقى هي الجبلة ! السخرية لاذعة , والصورة رائعة , وابن الرومي نفسه قد مدح ابن البلبل الشيباني من قبل عندما كان وزيراً ,والنسب أيضاً كان حاضراً بقوة : أضحى أبو الصّقر
فرداً لا نظير لهُ .. بعدَ النّبيَّ ومن والتْ خراسانُ ثمّ يعتذرلشيبان في الأبيات التي بعدها ليتلافى الإشكال , وهذا المعنى أيضاً أخذه رومينا من الدعبل حين مدح المطلب بن عبد الله الخزاعي , والي مصر أوائل عهد المأمون , قائلاً : أبعد مصر ٍوبعـد
مطلبٍ .. نرجو الغنى؟! إنْ ذا من العجبِ إذن مثلما جمع دعبل خزاعة كلـّها في المطلب , وذهب إلى حال سبيله لا خائفا ولا وجلا , ولا ينتظر منك القبول أو الرضا سيان في مدحه أوهجائه , جعل ابن الرومي كلّ شيبان في اسماعيل البلبلي , ولكن الأخير يستوفي المعنى من كل جوانبه , ولا يدع لك مجالا لتنتقص من شعره كعادته , ويعلل أسباب ذكر المناقب أو المثالب , كأنك واقف له بالمرصاد , بل يتوقع أو يخشى منك أن تسأله , لماذا مدحت هذا الشخص وهجوته من بعد يا هذا ؟ ! يتبرع وحده لك بالإجابة مسبقا : ألمْ ترَ أنـّني
قبــل الأهاجي .. أقدّم في أوائلها النســـــــيبا ثم يترآى إليه , أنك لم تقتنع بالإجابة , ولم تتوسم فيه النجابة , وأنّ تعليله غير مقبول , وسيفه غير مسلول ,فيطر أذنك بأبيات أخرى , لا تنقصها عبقريته الفذة , يحعلك مبهوتا , متأملاً مسحورا ,قابلاً مقبولا !!: إذا ما مدحت
المرءَ يوماً ولمْ يثبْ .. مديحي وحقُّ الشعر في الحكم واجبُ مسكين ابن
الرومي ! إذ جعل للشعر نصيبا في الحكم , ويرضى بأن يقال له : أنت كاذب
, مفارقة لطيفه , ورفقة ألطف , والحديث شجون , والأدب جميل , والمعاني
متشعبة , ولا استطيع أن أتركك , إذا لم أعطِ الموضوع حقـّه , أراني
مثلي مثل صاحبي ابن الرومي ! ونعود للعرب وإشكالية التعصب للنسب ,
وسنشرع في الحلقة القادمة مع (الشنفرى ) , وأخلاقية الشعراء الجاهليين
, وما عانى من الرواة والاخباريين , والنسابة والنسابين , ونختم القول
بالقرآن الكريم " ياأيها الناس إنـّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم... " |
|
راسلونا على العنوان التالي
|
|
يرجى إرسال مقالاتكم
|
|
إدارة الجريدة غير مسؤولة عن جميع الأخبار والمقالات والدراسات المنشورة في الموقع |