رياضـــــــة

 

     الاثنين 24 . 10 . 2011

عودة ابن زريق

         مسلم السرداح

هل عاد مرة أخرى ؟ والكل يدري انه مات . ابن زريق هذا الشاعر المثقل بامانيه الطموح مثل جواد فحل . والذي مارس رحلته الطويلة من بغداد الى الاندلس بانتظار ان يستفرد هناك بخليفة تلك الجهة ليتالق بين يديه ، بعد ان ملّ متملقي الخليفة في هذه الجهة الجالسين مثل كلاب القصور المعتاشين على ما يلقى لهم من فتات الخبز المغمس بالكرامة المهدورة .
نعم عاد مرة أخرى إلى بغداد والكل كان يعتقد من خلال الاطلاع على حماسه الكبير وقوة عزيمته ، انه سيعود ولكن لا احد يعرف بزمن ومكان عودته الأخيرة لأنه عاد سرا . وحين عاد كانت تدور برأسه افكارٌ تشكلت أثناء تجربته الأخيرة . لقد عاد مهزوما كما السيف الهندي في يد الرعديد . كانت هزيمته ليس لنقص في قيمته او لضعف في قدراته . ان هزيمته تكمن في عدم وضعه في مكانه الصحيح مثل قلادة ثمينة ملتفة على عنق زجاجة شمطاء .
لقد كان الخطأ خطا عصره الذي لايعرف قيمته . كان قيمة بلا ثمن ، كما كان يعتقد هو وكما أراد ان يثبته للآخرين .
لقد عاد . وكما ان لرحلته اسبابا عديدة كذلك كانت لعودته سرا عشرات الاسباب اختمرت في ذهنه ، اراد من خلالها ان يبدأ من جديد ليكتشف سر هزيمته . وكان صارما هذه المرة ، قاسيا ، دقيقا ، في قراراته لانه يريد ان يكتشف . ومن فرط صرامته صار يبدو فظا غليظا عنيفا ، امام نفسه . فهو مثلا كان يسكن في الشارع الثاني غير بعيد عن ابنة عمه ، دون ان تعرف هي أي شيء عنه ، لانه لم يدر بخلدها انه عاد . ابنة عمه تلك التي مات لاجلها حزنا . والتي سكب لاجلها الدمع الغزير والتي كاد يقتل نفسه لاجل فراقها . انه يراها الان كل يوم وكل لحظة ويكاد يذوب حبا فيها ولكنه مع ذلك كان يعطي لنفسه الصبر ويؤجل لقاءه معها منتظرا ان تتكامل الظروف التي دفعته لعودته الاخيرة .
لم تكن تستطيع ابنة عمه ، ان تميزه من بين الرجال لانها تجهل عودته المستحيلة ، ولانه كان قد موه نفسه وقد غير كل شيء ، ملابسه ، طوله ، عمره ، عيونه ، فلسفته في الحياة ، الا شعره ماساته ، اضافة الى زمنه لانه قد قرر مسبقا ان يبدا من جديد . فهي وعندما تلتقي نظراتهما ، تصد عنه الى الاتجاه الاخر ، لانها كانت قررت ان تخيط عينيها وان لاتر احدا حتى يعود . وكانت تطل على الطريق من خلال كوة صغيرة .
قال لي هل ساظل ميتا ؟ حتى ليقال في الغد مات الرجل البغدادي ندما اثر فعلته الحمقاء؟ او ليقال استحى الرجل كثيرا حتى حزّت في نفسه فعلة خليفة الجهات الاربع ، وكيف انه تعامل معه باحتقار ، او ليقال كان الرجل متهورا ولم يكن شاعرا كما كان يظن نفسه فانتهى نهاية المتهورين .
كلا سانهض وساعود الى بغداد الجميلة ، بغداد العروس لأبدا منها من جديد . نعم ساعود رغم كل المعوقات الباقية في ذهن وتصور الناس عني . ساعود واثبت للناس ان الشاعر لن يموت وساثبت للخلفاء انهم هم الاجدر بالموت من شاعر . نعم ساقتل الخليفة غيضا حين يعلم اني عدت الى بغداد و سيشعر بحمق فعلته في قتله لي .
اذهب الى بغداد ، وستجدني هناك وقد بدات شاعرا من جديد وستجد ان الرجل الذي مات هنا ليس هو الشاعر بل هو خيال فرضه خليفة هذه الجهة على عقول الناس كما تفرض حماقات الطغاة فيصفق لها الناس .
الخلفاء منذ عهد الطغاة الاول يحاولون ان يفرضوا نظرياتهم الكاذبة على الناس بقوة السيف الغاشمة فيصدقها المافونون من افراد الشعب والويل الويل لمن يتجرا فيخبر الناس انه لم يصدق مافرضه الخليفة على الناس .
هل عرفت خليفة عربيا ليس له سيف يقطر منه الدم الموغل في اعناق شعبه ؟
لقد اوهم الخلفاء الناس انهم وحدهم الذين يمتلكون القدرة على الخلود . مع ان خلودهم تافه ولا يساوي شيئا لانه مبني على الوهم واستنهاض النوايا الخبيثة المبيتة لدى اتباعهم واتباع اتباعهم وانهم يخلقون لانفسهم اتباعا واتباع اتباع عن طريق خلق نظريات غاشمة تافهة تكبر وسيصير لها فعل الشيطان ، بعينيه الحولاوين وانيابه التي يستخدمها للاذى .
وواعدني في مكان ما من بغداد وقال لي لايهم ان تكلمت بحكايتي لان لااحد سوف يصدقك او يصدق حكاية عودتي الى بغداد ولهذا فالافضل لك ان تخفيها لاني اكره الاستفسارات الكثيرة التي لا طائل من ورائها كيف عاد وهو لايمتلك مالا ؟ او كيف عاد وقد قتله الخليفة الجالس هناك في تلك الجهة ؟ والادهى والامر من ذلك كله سوف يسالونك عن مدى الحماقة التي يرتكبها شاعر يغادر بغداد الغانية الالاهة البيضاء ، ليجعل من هب ودب يمارس جناية القتل العمد ضده .
نعم سيتهمون كلينا انا وانت بالحماقة انا لاني غادرت بغداد ، وانت لانك ستتكلم عن دخان فانا ساكون موجودا وغير موجود . فانت فقط من سيراني وسوف لن اسمح لاحد غيرك ان يراني بهيئتي وكياني هذا . ولاني اريد ان ابدا من جديد فلن يراني أي احد الا وانا شاعر كبير يعيش في بحبوحة من العيش والشهرة والغنى لاستحق اسمي البغدادي .
نعم . ثم اني وجدت هنا في بغداد الشاعر وقد غير بارادته كل شيء ملابسه ملامحه وكل شيء يمكن الاخرين بالتعرف عليه وكان يسكن قريبا من البيت الذي كان يسكن فيه في الزمن السابق لكي يستطيع ان يرى ابنة عمه حبيبته التي من اجلها ترك بغداد وراح هناك الى الاندلس حاملا جوهرته التي لم يعبا بها هناك خليفة تلك الجهات وليكحل بمرآها عينيه كل صباح ومساء .
ولقد كانت ابنة عمه رغم انها كانت تراه باستمرار فلم تعد تعرفه لاسباب كثيرة انها واعدته انها لن تستعمل عينيها الا لرؤية الشمس وسبب اخر هو انها كانت تراه اثناء نومها وهو لايزال هناك عند خليفة الجهات الاربع ، وقد اعجب بجوهرته الصقيلة .
كانت تحلم في ساعات تعبها عندما تنام إن زوجها الذي عبر الى هناك في الجانب الاخر والضفة الاخرى والصوب الثاني وصل الى خليفة الجهات الاخرى وكان قد امضى في ذلك زمنا طويلا استغرق كل عمره . وقد فوجيء عند وصوله صعوبة الوصول للخليفة القابع هناك واكتشف متاخرا بعد محاولات عدة للوصول ان الخليفة ليس بذاك البريق الذي سمع عنه . وراح يتساءل اما ان يكون الخليفة قد مات او ان يكون البريق الذي يغلفه قد زال بعد مرور هذا الزمن الطويل ربما لبعد المسافة من هناك الى هنا بين الشرق والغرب . ولانه لايعرف كيفية سير الزمن منذ رحيله وما قبل رحيله ، فقد ضاعت عنه الحقيقة الكلية التي لم يكن هو اصلا يبحث عنها ولا تهمه في شيء ولكنه اصطدم بها .
وكان قال لي وهو في احدى لحظات انكساره انه كان يتمنى لو انه آمن بالعرافة وكاشفي الحظ ليتعرف على ماينتظره في رحلته الطويلة .
لقد كان نادما اثناء لحظات انكساره بسبب التدمير الذي طال ثوابته في الحياة فراح يحاول اعادة صياغتها كعادة المحطّمين وهو يؤمن بالعرافة وكشف خطوط اليد . وقال لي عن بداية حياته الاولى سنوات عنفوانه ، كيف انه كان يهزا بقارئات الحظ الجالسات هناك بين البيوت المنزوية داخل دروب بغداد ، وهن ينادينه هيا تعال ايها المحبوب من النساء .
وقال انه بدا الان يصدق نبوءتهن والا فما الذي يجعل امراة مثل ابنة عمه الجميلة تموت حبا من اجله وهو الراحل المزمن . وكان يعتقد لفرط هزيمته انه بدا يكتشف الحقائق التي لاتقبل جدالا ومنها ان الانسان الذي آمن بصدق العرافين هو اكثر سعادة من غيره ، بسبب محدودية الطرق التي يسلكها ، وتكون خياراته سهلة وبسيطة وبلا معاناة او الم او خسائر فادحة كتلك التي يقدمها الفاتحون المغامرون .
واثناء عودته الى بغداد كما قال لي مر بالطريق نفسه الذي ذهب منه ، ومع انه كان بامكانه ان ينبثق في مكانه ، كما الفكرة ، الا انه آثر ان يعود من نفس الطريق ويمر بنفس الاماكن ليتاكد من صحة ثوابته الجديدة .
وقال لي انه عاد اكثر حرية لانه كان يبحث عن نفسه بعيدا عن ارتباطاته السابقة واحلامه بالوقوف بين ايدي الخلفاء والملوك . ولقد مر اثناء عودته باجناس مختلفة من البشر مختلفي السحنات مثل تضاريس الارض واكتشف ملوكا مخلوعين واخرين في طريقهم الى الخلع . واخرين يبحثون عمن يعيدهم الى ممالكهم كاشخاص عاديين وقد يئسوا من الملك ولقضاء باقي العمر داخل ما جاءوا منه . واخرين ذوي همة عالية ينتظرون وسط البحر لينتحروا فيه . واكتشف شعراءا تحولوا الى ماسحي احذية صغار بعد سقوط مالكي نعمتهم ومن كانوا يتمسحون باكتافهم من قبل ، وهم يكتبون شعرا لتبرير افعالهم القديمة الشائنة .
قال ذلك واعتذر لانه ذاهب للقاء الشاعر ابن زريق البغدادي مرة اخرى .
حين مضى ، قال احد الجالسين :
- اتدرون من الرجل ؟
- لاندري . فمن هو ؟
- انه علي بن زريق .
عند ذلك نظرنا باستغراب الى بعضنا كالبلهاء .

راسلونا على العنوان التالي

fakhirwidad@gmail.com

 

 

التفاصيــل

 

يرجى إرسال مقالاتكم
على ملف وورد

 

 

إدارة الجريدة غير مسؤولة عن جميع الأخبار والمقالات والدراسات المنشورة في الموقع